المنهج الاقتصادي في الدستور العراقي

العراق· دراسة أكاديمية· 2025

النص الكامل

المنهج الاقتصادي في الدستور العراقي لعام 2005: بين اقتصاد السوق والمسؤولية الاجتماعية بعد عام 2003، دخل العراق مرحلة جديدة من إعادة بناء مؤسساته السياسية والاقتصادية، وكان من أبرز معالم هذه المرحلة صياغة دستور جديد يُعبّر عن التوجهات الوطنية في مختلف المجالات، ومنها المجال الاقتصادي. فقد جاء دستور عام 2005 ليضع الأسس القانونية لمنهج اقتصادي يسعى إلى تجاوز إرث المركزية الاقتصادية والاحتكار، ويؤسس لنظام أكثر انفتاحًا وتوازنًا بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. هذا المقال يسلط الضوء على أبرز ملامح المنهج الاقتصادي الذي تبناه الدستور العراقي لعام 2005، ويحلل طبيعته المختلطة التي تجمع بين اقتصاد السوق ودور الدولة التنظيمي، كما يستعرض أهم القوانين التي ينبغي أن تُفعّل لضمان نجاح هذا النموذج في الواقع العراقي. أولًا: ملامح المنهج الاقتصادي في الدستور يتضمن الدستور مجموعة من المبادئ الاقتصادية التي تشكل الأساس القانوني للسياسات الاقتصادية في العراق، ومن أبرزها: • الملكية العامة للموارد الطبيعية تنص المادة (111) على أن "النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات"، ما يؤكد أن الموارد الطبيعية تُدار لصالح المجتمع بأكمله، وتخضع لإشراف الدولة. • الاعتراف باقتصاد السوق تشير المادة (112) إلى سعي الدولة لتطوير القطاع الخاص وتشجيعه، بما يعزز دوره في الاقتصاد الوطني، ويؤسس لبيئة اقتصادية تنافسية. • الدور التنظيمي للدولة تمنح المادة (110) الحكومة الاتحادية صلاحيات حصرية في رسم السياسات الاقتصادية والتجارية والنقدية، ما يعكس تدخلًا تنظيميًا لضمان الاستقرار الاقتصادي. • التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية يركز الدستور على توزيع العائدات النفطية بشكل عادل بين الأقاليم والمحافظات، ويُلزم الدولة بتوفير الحياة الكريمة للمواطنين (المادة 30)، ما يعكس التزامًا واضحًا بالعدالة الاجتماعية. ثانيًا: توصيف النهج الاقتصادي يمكن وصف هذا التوجه بـ"النهج الاقتصادي المختلط" أو "اقتصاد السوق الاجتماعي"، وهو نموذج يجمع بين: • اقتصاد السوق: الاعتراف بدور القطاع الخاص وآليات السوق الحرة. • الاقتصاد الاجتماعي: تدخل الدولة لضمان العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروات بشكل عادل. هذا النموذج يسعى إلى تحقيق التوازن بين الحرية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية، ويجمع بين عناصر من الفكر الرأسمالي والاشتراكي. ومن الجدير بالذكر ان اقتصاد السوق الاجتماعي هو نموذج نشأ في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ويهدف إلى الجمع بين الكفاءة الاقتصادية التي توفرها السوق الحرة، والعدالة الاجتماعية التي تضمنها الدولة. يتميز هذا النموذج بـ: • دعم المنافسة الحرة ومنع الاحتكار. • توفير شبكة ضمان اجتماعي قوية (مثل الرعاية الصحية، التعليم، التأمينات). • تدخل الدولة في السياسات الاقتصادية لضمان الاستقرار والتوازن. ثالثًا: القوانين الداعمة للنهج الاقتصادي المختلط إن تطبيق النهج الاقتصادي المختلط في العراق يتطلب إرادة سياسية وتشريعية متماسكة، تضمن تفعيل القوانين بشكل متكامل. حيث هذا النموذج لا يكتفي بتحقيق النمو الاقتصادي، بل يسعى إلى بناء اقتصاد عادل ومستدام يخدم جميع المواطنين، ويعزز من استقرار الدولة وتماسكها الاجتماعي. ولضمان تطبيق هذا النهج بشكل فعّال، يجب أن يستند إلى منظومة قانونية متكاملة تشمل: • قوانين حماية المنافسة ومنع الاحتكار لضمان بيئة سوق عادلة ومنع تركّز القوة الاقتصادية تم اصدار قانون المنافسة ومنع الاحتكار رقم 14 لسنة 2010 والذي بدوره اسس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار ليتكامل العمل المؤسسي في ظل هذا المنهج الاقتصادي • قوانين الاستثمار مثل قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006، لتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي وتوفير ضمانات قانونية. • قوانين حماية المستهلك لضمان جودة السلع والخدمات وحماية حقوق المستهلكين. تم اصدار قانون حماية المستهلك رقم 1 لسنة 2010 • قوانين الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) لتفعيل التعاون في مشاريع البنية التحتية والتنمية الاقتصادية. • قوانين الضرائب والجمارك لتحقيق التوازن بين الإيرادات الحكومية وتشجيع الاستثمار، وحماية الصناعات الوطنية. • قوانين العمل والتوظيف لضمان حقوق العمال وتحقيق الاستقرار والإنتاجية في سوق العمل. • قوانين التنمية الإقليمية لتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين المحافظات. • قوانين إدارة الموارد الطبيعية لضمان إدارة عادلة ومستدامة للثروات الوطنية، خاصة النفط والغاز. • قوانين مكافحة الفساد لضمان الشفافية والمساءلة في الأنشطة الاقتصادية، وتعزيز الثقة في المؤسسات. خاتمة إن المنهج الاقتصادي الذي رسمه الدستور العراقي لعام 2005 لا يقتصر على مجرد إعلان مبادئ، بل يشكل إطارًا قانونيًا يمكن أن يُبنى عليه نظام اقتصادي متوازن يجمع بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. لكن نجاح هذا النموذج يتوقف على مدى قدرة الدولة على تفعيل القوانين الداعمة له، وتوفير بيئة مؤسسية شفافة، وتجاوز التحديات البنيوية التي تعيق التنمية المستدامة. إن تبني اقتصاد السوق الاجتماعي في العراق يتطلب إرادة سياسية واضحة، وإصلاحات قانونية متكاملة، وتعاونًا فعّالًا بين القطاعين العام والخاص، بما يضمن تحقيق النمو الاقتصادي من جهة، وتعزيز العدالة والمساواة من جهة أخرى. وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية، يبقى تطوير هذا النهج ضرورة استراتيجية لضمان استقرار العراق الاقتصادي والاجتماعي في المستقبل. بقلم د ياسر حسن حسين الزبيدي